محمد بيومي مهران
160
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الماء ، وإذا جذر البحر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير ترابا ، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها ، فما سقط قطعته الريح في الهواء ، فلما رأى ذلك إبراهيم تعجب منها وقال : يا رب قد علمت لتجمعنها ، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك . وقال ابن زيد : مرّ إبراهيم بحوت ميت ، نصفه في البر ، ونصفه في البحر ، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله ، وما كان منه في البر فدواب البر تأكله ، فقال له إبليس الخبيث : متى يجمع اللّه هذه الأجزاء من بطون هؤلاء ، فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى ، قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي ، بذهاب وسوسة إبليس منه « 1 » . وقد أراد الخليل عليه السلام أن يصير له علم اليقين عين اليقين ، لأن الخير ليس كالمعاينة فتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه ، ولم يكن إبراهيم عليه السلام ، ولن يكون ، شاكا في قدرة اللّه تعالى على أحياء الموتى ، ولكنه أحب أن يصير له الخبر عيانا ، قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب ولكن أراد رؤية العين ، وقال الحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير والربيع : سأل ليزداد يقينا على يقينه « 2 » . على أن هناك وجها آخر للنظر يذهب إلى أن مسألة إبراهيم ربه ذلك المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين النمرود في ذلك ، قال محمد بن إسحاق بن يسار : إن إبراهيم لما احتج على نمرود فقال : ربي الذي يحيي ويميت ، وقال النمرود : أنا أحيي وأميت ، ثم قتل رجلا وأطلق رجلا ، قال : قد أمت هذا ، وأحييت هذا ، قال له إبراهيم : فإن اللّه يحيي بأن يرد الروح إلى جسد ميت ، فقال له نمرود : هل عاينت هذا الذي تقوله ، ولم يقدر أن يقول
--> ( 1 ) علي بن أحمد الواحدي النيسابوري : أسباب النزول ص 53 - 54 . ( 2 ) تفسير القرطبي ص 1106 ، وانظر : تفسير الطبري 5 / 485 - 486 .